السيد محمد تقي المدرسي
87
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
انك تجد الحكمة المنصوصة لكتابة الدَين ، إقامة القسط في المال والعدل في الشهادة والكتابة . ونستوحي منه ؛ أنه لو توقف ذلك على أمر آخر ، مثل تسجيل الدَين في محضر أو اعطاء شيك بنكي أو كمبيالة أو ما أشبه . . فإن ذلك يصبح مطلوباً ، لان المهم إقامة القسط وألّا يبخس الدائن حقه . ثانياً / لا يجوز ان يستغل الغني حاجة الفقير إلى ماله ، فيحرمه من الدَين إلّا بالربا . ولكن حين يتوب المرابي ، لا يجوز للفقير ان يحرمه من رأسماله . فلا ظلم للدائن ولا للمدين . ونستوحي من ذلك ؛ انه لو فقد الرأسمال قيمته الشرائية بسبب التضخم ، مما سبب خسارة لصاحب المال ، فعلى المدين جبران خسارته حتى يرد عليه رأسماله . وهذا يظهر جلياً في الظروف التي تسقط فيها العملة التي استدان بها المدين . فإذا كانت قيمة ألف دينار الحقيقية تساوي داراً عند الاستدانة ، ثم سقط الدنيار حتى أصبحت قيمة ذلك الدار مليون دينار ، فإن على المدين ان يعيد إلى صاحب المال المليون وليس الألف دينار ، لأنه لو ردّ إليه الألف كان ظالماً ، والله سبحانه قال : لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ هاء : في الانفاق والاستهلاك والعدل في الانفاق من تجليات الايمان ، ألا ترى كيف يصف ربنا سبحانه عباد الرحمن بقوله : وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ( الفرقان / 67 ) وقال سبحانه : وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً ( الاسراء / 29 ) ذلك ان المؤمن يقوده عقله ولا يسترسل مع هواه . فتراه يتحرك حسب الحكمة ، فلا يحرم ذريته مما فضل الله عليه ، ولا يحرم الناس ، بل يعمل حسب القوام ، وهو ينفق الفضل من ماله . وكما في الانفاق ، كذلك في الاستهلاك تجد المؤمن لايسرف في الأكل والشرب ، ولا يحرم نفسه من لذتهما ، تطبيقاً لقوله سبحانه : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لايُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( الأعراف / 31 ) وقال الله سبحانه : وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الاخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الارْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( القصص / 77 )